Wednesday, May 20, 2026

من الشهادة إلى المهارة: إعادة تشكيل وظيفة الجامعة في سلطنة عُمان

 

من الشهادة إلى المهارة: إعادة تشكيل وظيفة الجامعة في سلطنة عُمان

كتبه د. بدرية بنت خلفان المعمري

 

 لم تعد الجامعة في القرن الحادي والعشرين مؤسسةً تمنح شهادةً فحسب، بل أصبحت مطالبة بأن تكون منظومة لإنتاج المهارة، وبناء الكفاءة، وتشكيل القدرة على التعلم المستمر. وفي السياق العُماني، تكتسب هذه القضية أهمية خاصة؛ لأن سلطنة عُمان تدخل مرحلة تنموية جديدة تقودها رؤية عُمان 2040، حيث لم يعد التعليم العالي يُقاس بعدد الخريجين فقط، بل بقدرته على إعداد إنسان قادر على التفكير، والابتكار، والتكيّف مع اقتصاد سريع التحول. فالشهادة قد تفتح الباب الأول، لكنها لم تعد كافية لضمان الاستمرار في سوق عمل يتغير بفعل الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والصناعات التقنية، والتحولات الخضراء. وتشير رؤية عُمان 2040 إلى أهمية بناء مجتمع معرفي قائم على التعليم والبحث والابتكار، بما يجعل الجامعة رافعةً مركزية للتنمية لا مجرد محطة تعليمية تقليدية.

 

التحول من منطق الشهادة إلى منطق الكفاءة

 ظلّت الشهادة الجامعية لعقود طويلة رمزًا للنجاح الاجتماعي والمهني. وكان الحصول على المؤهل الجامعي كافيًا في أحيان كثيرة للدخول إلى الوظيفة. غير أن هذا التصور بدأ يتراجع عالميًا ومحليًا؛ لأن سوق العمل أصبح يسأل أسئلة مختلفة: ماذا يستطيع الخريج أن يفعل؟ هل يستطيع تحليل البيانات؟ هل يجيد التواصل المهني؟ هل يمتلك مهارات التفكير النقدي؟ هل يستطيع العمل ضمن فريق متعدد التخصصات؟ هل لديه وعي أخلاقي باستخدام التقنية والذكاء الاصطناعي؟ هذا التحول لا يعني التقليل من قيمة الشهادة، بل يعني أن الشهادة ينبغي أن تصبح دليلًا على امتلاك مهارات قابلة للتطبيق. فالجامعة الحديثة لا تخرّج حامل شهادة فقط، بل تخرّج عقلًا قادرًا على حل المشكلات، وفردًا قادرًا على التعلم الذاتي، ومواطنًا قادرًا على المشاركة في التنمية. وقد أكد تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول وظائف المستقبل أن المهارات الأكثر طلبًا تشمل التفكير التحليلي، والمرونة، والقيادة، والفضول، والتعلم مدى الحياة، ومهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات، وهي مهارات لا تُبنى بالحفظ والتلقين وحدهما، بل بالممارسة والمشروعات والتقييم الواقعي.

 

دور الجامعة العُمانية في ظل التحولات العالمية

شهدت سلطنة عُمان خلال العقود الماضية توسعًا ملحوظًا في التعليم العالي، من حيث عدد المؤسسات والبرامج والفرص التعليمية. غير أن المرحلة الحالية تتطلب انتقالًا نوعيًا من التوسع الكمي إلى الأثر النوعي. فالسؤال لم يعد: كم عدد الطلبة الذين التحقوا بالجامعة؟، بل: ما نوع المهارات التي اكتسبوها؟ وما مدى جاهزيتهم لسوق العمل؟ وما مقدار إسهام الجامعة في الابتكار والاقتصاد الوطني؟ في هذا الإطار، تبرز أهمية المؤسسات التعليمية في سلطنة عمان والتي تمثل نموذجًا مهمًا لفكرة التعليم التطبيقي المرتبط بالمهارات. وقد أشارت بعض الجامعات في خططتها الاستراتيجية إلى توجه واضح نحو إعداد قدرات تنافسية جاهزة للمستقبل، وتعزيز البحث التطبيقي، والشراكات التحويلية، والابتكار، بما ينسجم مع مستهدفات الاقتصاد المعرفي في عُمان. وهذا التوجه يعكس وعيًا بأن الجامعة لا يمكن أن تبقى منعزلة عن سوق العمل، بل يجب أن تكون جزءًا من منظومة وطنية تربط التعليم بالصناعة والبحث وريادة الأعمال.

 

 إيلاء المهارات اهتماما بوصفها رأس المال الوطني

 حين نتحدث عن المهارة، فإننا لا نقصد المهارات التقنية فقط، بل نقصد منظومة واسعة تشمل: المهارات الرقمية، واللغوية، والبحثية، والتواصلية، والأخلاقية، والقيادية، والريادية. فخريج الهندسة مثلًا لا يحتاج إلى المعرفة الفنية وحدها، بل يحتاج إلى القدرة على إدارة مشروع، وقراءة البيانات، والعمل في فريق، وتقديم فكرة مقنعة، واحترام معايير السلامة والاستدامة. وخريج اللغة أو التربية لا يحتاج إلى المعرفة النظرية فقط، بل يحتاج إلى تصميم أنشطة تعليمية تفاعلية، واستخدام أدوات رقمية، وتحليل احتياجات المتعلمين، وتوظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة أخلاقية. ومن هنا تأتي أهمية الإطار الوطني العُماني للمهارات المستقبلية؛ لأنه ينسجم مع التحولات المرتبطة بالثورة الصناعية الرابعة، ويؤكد أن طبيعة الوظائف ستتغير، وأن القوى العاملة الوطنية تحتاج إلى مهارات جديدة تتجاوز المعرفة التقليدية. وهذا يعني أن الجامعة العُمانية مطالبة بأن تعيد بناء مناهجها حول "مخرجات تعلم" واضحة وقابلة للقياس، لا حول محتوى معرفي كثيف ينتهي بانتهاء الاختبار.

 

أمثلة لبرامج علمية حديثة يمكن أن تعيد تشكيل وظيفة الجامعة

 يمكن للجامعات العُمانية أن تعزز الانتقال من الشهادة إلى المهارة من خلال مجموعة من البرامج الحديثة، منها:

1.التعليم القائم على الكفايات:

 يقوم هذا النموذج على تحديد ما يجب أن يعرفه الطالب وما يجب أن يكون قادرًا على أدائه في نهاية المقرر أو البرنامج. فعوضًا عن التركيز على عدد المحاضرات أو كمية المعلومات، يتم التركيز على مهارات قابلة للملاحظة مثل: تحليل مشكلة، كتابة تقرير مهني، تصميم منتج، تقديم عرض، أو بناء حل رقمي.

 

 2.التعلم القائم على المشروعات

 ينبغي أن تتحول المقررات الجامعية من اختبارات نهائية مغلقة إلى مشروعات تطبيقية مرتبطة بقضايا عُمانية واقعية. فطلبة الهندسة يمكن أن يعملوا على حلول للطاقة الشمسية أو إدارة المياه، وطلبة إدارة الأعمال على خطط لمؤسسات صغيرة، وطلبة التربية على تصميم موارد رقمية للمدارس، وطلبة اللغة الإنجليزية على إنتاج مواد تعليمية رقمية أو أبحاث تطبيقية حول تعلم اللغة.

 

 3.التدريب المندمج مع سوق العمل

 التدريب العملي لا ينبغي أن يكون مرحلة قصيرة في نهاية الدراسة، بل ينبغي أن يكون جزءًا متدرجًا من البرنامج. فكل سنة جامعية يمكن أن تتضمن خبرة ميدانية، أو مشروعًا مع مؤسسة، أو مهمة واقعية يقدمها قطاع صناعي أو تعليمي أو صحي. هذا النموذج يقرب الطالب من بيئة العمل ويقلل الفجوة بين ما يتعلمه وما سيُطلب منه بعد التخرج.

 

 4. الشهادات المصغرة والمهارات القابلة للتكديس

 تتجه الجامعات عالميًا إلى تقديم شهادات قصيرة في مهارات محددة مثل تحليل البيانات، الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، الكتابة المهنية، إدارة المشاريع، أو ريادة الأعمال. وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الشهادات المصغرة يمكن أن تدعم التعلم مدى الحياة وتساعد الأفراد على اكتساب مهارات جديدة تتناسب مع تغير سوق العمل. ويمكن للجامعات العُمانية توظيف هذا النموذج بحيث يتخرج الطالب بشهادة جامعية رئيسية، إضافة إلى حزمة مهارات موثقة ومعترف بها.

 

5.ملف الإنجاز الإلكتروني

 بدل أن يحمل الخريج شهادة فقط، يمكن أن يحمل ملفًا رقميًا يضم مشروعاته، وأبحاثه، وعروضه، وتدريبه، وشهاداته القصيرة، وتقييمات أدائه. هذا الملف يقدم لصاحب العمل دليلًا عمليًا على الكفاءة، لا مجرد معدل تراكمي.

 

6. محو الأمية في الذكاء الاصطناعي

 لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعًا خاصًا بطلبة الحاسوب فقط. كل طالب جامعي يحتاج إلى فهم أساسياته: كيف يعمل؟ ما حدوده؟ كيف يُستخدم في التعلم والبحث؟ ما مخاطره الأخلاقية؟ وكيف يمكن توظيفه دون أن يتحول إلى بديل عن التفكير؟ وقد شددت اليونسكو على ضرورة أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم إنسانيًا وأخلاقيًا، وأن يدعم التفكير النقدي لا أن يستبدله.

 

إعادة تعريف الأستاذ الجامعي

فإذا تغيرت وظيفة الجامعة، فلا بد أن تتغير وظيفة الأستاذ الجامعي أيضًا. فالأستاذ لم يعد ناقلًا للمعلومة فقط، لأن المعلومات أصبحت متاحة في الكتب والمنصات ومحركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي. دوره الجديد هو أن يكون مصممًا للتعلم، ومرشدًا أكاديميًا، وميسرًا للتفكير، ومقيّمًا للأداء الحقيقي. فبدل أن يسأل الطالب: "ما تعريف هذا المفهوم؟" يمكن أن يسأله: "كيف تطبق هذا المفهوم في مشكلة محلية؟" وبدل أن يطلب منه حفظ نظرية، يمكن أن يطلب منه تحليل حالة واقعية. وبدل أن يكون الاختبار نهاية التعلم، يصبح التقييم عملية مستمرة تشمل التغذية الراجعة، والتأمل الذاتي، والتطبيق، والتحسين.

 

التقييم بوصفه مفتاح التحول

إذ لا يمكن أن ننتقل من الشهادة إلى المهارة إذا بقي التقييم قائمًا على الحفظ وحده. فالطالب يتعلم غالبًا بالطريقة التي يُقيّم بها. فإذا كان التقييم يقيس التذكر، سيحفظ. وإذا كان يقيس التحليل والتطبيق، سيفكر ويطبق. لذلك تحتاج الجامعات إلى تطوير أدوات تقييم متنوعة، مثل: دراسات الحالة، والعروض الشفوية، والمشروعات الجماعية، والتقارير المهنية، والمحاكاة، وملفات الإنجاز، والتقييم القائم على الأداء. وهنا تظهر أهمية الربط بين مخرجات التعلم وسوق العمل. فكل برنامج جامعي ينبغي أن يجيب بوضوح: ما المهارات التي سيخرج بها الطالب؟ كيف سنقيسها؟ من سيشارك في تقييمها؟ وهل يشارك أصحاب العمل في مراجعة البرامج والمخرجات؟

 

تحديات التحول

 وبرغم أهمية هذا التحول، فإنه ليس سهلًا. فهناك تحديات تتعلق بثقافة المجتمع، لأن بعض الأسر والطلبة لا يزالون ينظرون إلى الشهادة بوصفها الغاية النهائية. وهناك تحديات مؤسسية تتعلق بتطوير المناهج، وتأهيل أعضاء هيئة التدريس، وتوفير المختبرات، وتوسيع الشراكات مع القطاعين العام والخاص. كما أن التحول الرقمي نفسه يحتاج إلى حوكمة واضحة حتى لا يتحول استخدام التقنية إلى شكل خارجي دون تغيير حقيقي في أساليب التعلم. ومن التحديات المهمة أيضًا أن الذكاء الاصطناعي قد يخلق وهمًا زائفًا بالتمكن إذا استخدمه الطالب لإنتاج إجابات جاهزة دون فهم. لذلك فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في الجامعة يجب أن يكون مصحوبًا بسياسات واضحة للتقييم الأكاديمي، والنزاهة العلمية، وتنمية التفكير النقدي. فالمطلوب ليس منع التقنية، ولا الاستسلام لها، بل تحويلها إلى أداة تعلم مسؤولة.

 

وختاما الجامعة بوصفها مصنعًا للقدرة لا مخزنًا للشهادات:

 إن التحول من الشهادة إلى المهارة لا يعني إلغاء قيمة التعليم الجامعي، بل يعني إنقاذه من الجمود وإعادته إلى رسالته العميقة: بناء الإنسان القادر على الفهم والعمل والإبداع. وفي سلطنة عُمان، تمثل هذه القضية ضرورة وطنية؛ لأن رؤية 2040 تحتاج إلى خريجين لا يملكون المعرفة فقط، بل يملكون القدرة على تحويل المعرفة إلى قيمة. الجامعة العُمانية في المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون جامعةً تصنع المهارة، وتفتح أفق الابتكار، وتربط الطالب بالحياة، وتجعله قادرًا على التعلم المستمر. فالمستقبل لن يكافئ من يحمل شهادة بلا قدرة، بل سيكافئ من يستطيع أن يتعلم، ويتكيف، ويفكر، ويبتكر. ومن هنا، فإن إعادة تشكيل وظيفة الجامعة ليست خيارًا تجميليًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء اقتصاد عُماني معرفي، تنافسي، ومستدام.



 المراجع:

European Commission. (2024). A European approach to micro-credentials. European Education Area. https://education.ec.europa.eu/education-levels/higher-education/micro-credentials?

 

Ministry of Higher Education, Research and Innovation. (2025). Oman higher education report 2025. Ministry of Higher Education, Research and Innovation. https://www.moheri.gov.om/userupload/2025/MAR-91016-%20Oman%20Whitepaper%20v11.pdf?

 

OECD. (2023). Micro-credentials for lifelong learning and employability. OECD Publishing. https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2023/03/micro-credentials-for-lifelong-learning-and-employability_13dd81a9/9c4b7b68-en.pdf?

 

OECD. (2024). Promoting green and digital innovation: The role of higher education in developing competencies for the twin transition. OECD Publishing.

https://www.oecd.org/content/dam/oecd/en/publications/reports/2024/07/promoting-green-and-digital-innovation_986b39b4/feb029df-en.pdf?

 

Oman Vision 2040 Implementation Follow-up Unit. (n.d.). Oman Vision 2040: People and society pillar. Oman Vision 2040. https://www.oman2040.om/pillar/1?lang=en

 

The Education Council. (2018). The national strategy for education 2040. Sultanate of Oman. https://www.educouncil.gov.om/downloads/Ts775SPNmXDQ.pdf?

 

UNESCO. (2023). Guidance for generative AI in education and research. UNESCO. https://www.unesco.org/en/articles/guidance-generative-ai-education-and-research?

 

UNESCO. (2025). Whose education? The future of learning, labour, and living in the age of AI. UNESCO. https://www.unesco.org/en/articles/whose-education-future-learning-labour-and-living-age-ai?

 

University of Technology and Applied Sciences. (2026). UTAS strategic plan 2026–2030. University of Technology and Applied Sciences. https://www.utas.edu.om/portals/0/Pdf/Strategic-Plan-DRAFT-Eng.pdf?

 

World Economic Forum. (2025). The future of jobs report 2025. World Economic Forum. https://reports.weforum.org/docs/WEF_Future_of_Jobs_Report_2025.pdf?


No comments: